
تعاني شريحة الأئمة والمؤذنين في السودان معاناة قاسية لا تخطئها عين، معاناة لا تليق بدورهم ولا بمكانتهم ولا برسالتهم السامية، في وقت تتغنى فيه الدولة زورًا بالقيم والدين والشعارات الجوفاء.
راتب الإمام اليوم لا يتجاوز 48 ألف جنيه، مبلغ هزيل لا يكفي لأبسط متطلبات الحياة، بل لا يساوي ما ينفقه عامل غسيل سيارات في يوم واحد، في مفارقة فاضحة تكشف حجم الاختلال في سلم الأولويات الحكومية.
الأئمة والمؤذنون ليسوا موظفين عاديين، بل هم حراس القيم، ومرتكز الوعي الديني، وصمام أمان المجتمع في أوقات الفتن والانهيارات، ومع ذلك يُتركون فريسة للفقر والإهمال.
كيف يُرجى النصر والأمن والاستقرار في وطن تُهدر فيه كرامة حفظة كتاب الله، الذين كرمهم الخالق جل وعلا، ورفع شأنهم، وجعلهم أهل القرآن وخاصته؟
إن الحديث عن معركة الكرامة يصبح بلا معنى حين تُداس كرامة من يحملون كلام الله في صدورهم، ويُدفع بهم إلى أسفل السلم الوظيفي والاجتماعي دون أدنى احساس بالمسؤولية.
لن يتنزل النصر على أمة تتجاهل علماءها وأئمتها، وتتعامل معهم كعبء إداري لا كركيزة أخلاقية وروحية، فسنن الله لا تحابي أحدًا، والعدل أساس التمكين.
إكرام حامل القرآن ليس ترفًا ولا منّة، بل واجب شرعي وأخلاقي على كل مسلم ومسلمة، ويتضاعف هذا الواجب على ولي الأمر الذي أُوكلت إليه مسؤولية الرعاية والإنصاف.
غير أن الحكومة الحالية، ومع الأسف، اختارت طريقًا آخر، طريق الإهمال المتعمد، والصمت القاتل، والتجاهل المريب لقضايا الأئمة والمؤذنين.
في المقابل، تُهدر أموال طائلة في بنود صرف لا تخدم المواطن ولا تحمي الوطن، ولا تسهم في استقراره، بينما يُترك أهل القرآن يكابدون ضيق العيش وقسوة الحاجة.
تصرف الدولة بسخاء على الفشل الإداري، وعلى المناصب الوهمية، وعلى الوفود والأسفار، بينما تعجز عن تأمين حياة كريمة لإمام مسجد يُعلّم الناس الأخلاق قبل الصلوات.
أي رسالة ترسلها الحكومة للمجتمع حين تُهان القيم ويُكافأ الفشل؟ وأي قدوة تُقدم للأجيال القادمة حين يصبح حفظ القرآن طريقًا للفقر لا للتكريم؟
لقد كلفتني مجموعة من حفظة القرآن بالتواصل مع شخصية قيادية عليا في الدولة، في محاولة أخيرة لطرق الأبواب المغلقة وإيصال صوتهم.
تم تسليم الخطاب رسميًا عبر مدير المكتب، موثقًا ومفصلًا، واضعًا أمام المسؤول صورة واضحة لمعاناة الأئمة والمؤذنين.
مر شهران كاملان، ولم يصل رد، ولم يُحدد موعد، ولم يُبدَ أي اهتمام، في سلوك يعكس استخفافًا غير مقبول بهذه الفئة.
هذا الصمت الرسمي لا يمكن تفسيره إلا باعتباره استهانة متعمدة بقضية عادلة، أو عجزًا أخلاقيًا عن اتخاذ قرار منصف.
إن تجاهل الأئمة والمؤذنين ليس مجرد خطأ إداري، بل خطيئة وطنية، لأنها تضرب في صميم هوية المجتمع وتماسكه.
الدولة التي لا تحترم منابرها الدينية، ولا تصون كرامة من يخدمونها، دولة تزرع بذور الانهيار القيمي بيدها.
ولا يمكن بناء وطن متماسك بينما يُدفع حَمَلة القرآن إلى هامش الحياة، ويُتركون يواجهون العوز وحدهم.
إن إنصاف الأئمة والمؤذنين اليوم ليس خيارًا سياسيًا، بل اختبار حقيقي لصدق الشعارات التي ترفعها الحكومة.
وأخيرًا، فإن استمرار هذا الإهمال لن يمر دون تبعات، فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والعدل الإلهي لا يغفل.



